مصطفى سمير مصطفى
كيف نكتب؟
مرحبًا أَيَّتها الورقة… ألْجئ اليكِ الوث بياضُكِ بأفكارِي، لأراجع معكِ ما جرى اليوم. الأَمرُ أَصعب مِمَّا تظُنِّين أَيَّتها الورقة، أَشْعر إنَّ هناك شيء يَمنعُني مِنْ الْإفصاح بِكلّيّ، أَشْعر كَما لَوْ كُنْتي سَتَطلقينَ الْأَحكام وتنتقدين قَراراتي، ما فرقكِ عَنْ الْاخَرين؟
هيَّا.. لا شيْء؟ أَنا أُبالغ بردة فعلي، أُبالغ بكلِّ شيء؛ لِعدم تأْكُدي مِنْ أَيِّ شَيْء.. أتأفف لكِ عَنْ حالي. أعلم ما يجب عليَ فعله، الليلة سأكتب لنفسي لا للآخرين: أفكر بترك العمل على روايتي الْأُولَى تِلك وأَخذ إجازَة أَستَريح فِيهَا مِنْ كَثْرةِ التَّفْكير، لَكنْ هكذا قرار سَيكون مُدَمِر إذْ مَا طبق. وضعت لِنفسي مَوْعدًا صارِماً، الْوَاحد والثًّلاثون مِنْ ديسمْبر السنة القادمة، قَبل هذا التَّاريخ الذي ذَكَرْتُه، أكون قد أَنهيْت العمل على روايتي الَّتي لَسْت واثقًا مِنها، دفعني شكي المُبالغ بِه؛ لِمقارنة نفسي مَع كُتَّاب أَكثَر خبرة مِثل دوستوفيسكي!
قَرأتُ سَطرين حواريَّيْن لَه مِنْ رواية الْأَبْلَه، تركني ذلك مَصعوقًا مِنْ قُدرتهِ على التَّعبير والوَصْف.. هَذَينِ السَّطْريْن فَقط جعلاني أَعيش مشهد كامِل التَّفاصيل، هَهْ. بِالتَّكلُّم عِنْ التَّفاصيل، أَنْهيْت قِراءَتي للْمَجْموعَة الْقَصصية الكامِلة للشَّاعري بامتياز أوسكار وايْلد، الَّذي خَطّ بِقَلَمِه حُروف مُخْتَزنة المشاعر تَبْعَث بِالحياةِ فِي كَمْ شخصيَّاته مِنْ الحيوانِ والْجَمَاد… فَفي إحْدَى أعَنِّف قَصَصِه “الْقزم” وَجَدْتُ الواقع وَهو مُتملّق ومتأَنِّق الملبس، يسخر مِنْ حَال الحقيقة العاريَّة… نعم عاريَّة، إنْ كان هُناك شَكل لِلحقيقة، سَيَكون العري والتَّشاؤم مَطبوعٌ في تعابيرِها.. لكم حاد القلم أَنت أَيُّها المُعَلّم وايْلد، ولكم حَادّة السكينة الَّتي طَعنوك بِها يا سيّد صَموئيل، وَلكيف وَحَيّ الِفطنة قَدّ انزل عليك يا سيّد بوارو، ولكم محظوظة من خلقتك ورسمتْ مغامراتك، ماذا عنكِ أَيَّتها الصَغيرة آن فرانك؟ ما لذي سيبدر في ذهنكِ عِندما تَعلمين كَمْ الَّذين قرأوا ما فضفضتِ بِه لِكيتي؟ أتذكر تفحصي لمذكراتها وانا اضحك رافسا الهَواء؛ لِتلغب تِلك الطِّفلَة بِبَساطَة تَعبيراتها عليَ.. رُبما؛ لأَن تعبيراتِها كَانتْ مِنْ رحم الواقع، ففي النِهاية، أَعظم القصص هي التي نعيشها لا التي نَكتُبها.
لِم نكتب؟
مرحباً مجدداً ايتها الورقة، أرى نصفكِ ما زال مُتَسِخًا. اليوم كان مميزًا، وصلت الفصل الأَخير لِروايتي بَعد جهد سَنتين مُضْنًى. تَساءلتُ خِلال تِلك السنتين عن معنى كُلّ شيء، عن لِما نُحاول ولِما نفشل؟ ثُم، لِما اكتب ولِمَن هم يكتبون؟ كَيف كان إحساس الكِتابة؟ عن الأَخيرة.. أشبه الأَمر بأن تَكوني ثَمِلةٌ من خَمر أَفكارك، فتَصبّين في كأسِ ورقَتِك مُجمَل كلمات لا تَدرين من أَين تأْتي وَكيف، ثُم تَخْشيْنَ السّؤال عن ذَلِك، حتى لا تَقْطعِ حبل افكارك.. وفي جوابي لسؤال لَم يُطرح بَعد.. تَشعُرينَ بنشوة السُكْر وانتِ تَحتضنينَ خيالك، كأنه عزيزٌ يواسيكِ، ثم تَفيقينَ على أنغام من يطرق الأرض امامك: “مرحبا، انا الموت”، تَنْظُرينَ له متلحفًا عباءته الفضفاضة، وتَردينه التحية برفع حاجبيك، وتُجيبينَه: “دعني انهي هذا السطر لو سمحت”، فتعودين لحاسوبك المحمول، مقتفيةً أثر انسكاب كلِماتِك، وفي أحوال اُخر، تشعرين بالتفوق، لا أدري أَعَلى نفسك ام الاخرين…
المهم هو تفوق ممزوج بحدةِ غرورٍ تجرح صاحبها إذ لم يستفيق.. ومن ثم، تنتهي جلستك، وتدركين كَم يمضي الوقت بسُرعة حينما نعيش خِضَمّ حَيَوات اخر نَحن من ابتَدَعناها، ثُم نُحاول جاهِدين نُقنع العالم بِحَقيقتها كاذبين بِبَراعة عن أحداث وَشخصيَّات تَتَكلَّم المَعقول وتنشر المَضمون في حِواراتِها، ومن ثُم وثُم وثُم…الخ، تكتمل قِصة كَتبناها؛ لِغاية لا يَعلَمُها إلّا مَن خَلقها، عندها فَقط، تَرْتاح أَصابِعنا مِنْ الكِتابة، لَتَنشغل عُيوننا مُعلّلة ما كتبناه؛ لِنستنتج اما نَوبة ذُعِر تؤرقنا، أَو فَرحة تؤرقنا هي الأخرى، بَكلتا الحالتين، تَنهض فكرة مُستلقية في خُلدنا تَقول: “لو فقط كُنّا مَساجين، مَعزولين، مَنبوذين، لَيسَ لَنا صَاحب سِوى القَلم يَتَكلَّم عنا والوَرقة تَستمُع له بحرص… حرصٍ شديد ومُثير للاهتمام، هَكذا استماع، يُدخلك في جَوّ مِنْ خَيبة الظَّنّ، كون البشر اكثر جفافً من ورقة تمتص ما تخبرها به.. اترك البشر او اترك نفسك”.
في كلامنا عن “اترك نفسك”، وجدتُ نفسي مُتقمصًا كَثير الشَّخصيات مِنْ مُختلف الأَجناس والإِعْمار، تَشتركُ جَميعها في صِفة الضَّياع في بحر الاحتمالات الوارِدَة مِنّا فعلُه، جعلني ذلك أدرك، ان الكتابة، أكثر مِنْ مُجرَّد فَنّ أَدبي تُترجم فيه الأفكار والمشاعر لِكلمات تَفوق وضوحاً اللَّوحات المَرسومة والموسيقى المَعزوفَة، فالكتابة، تَمثيل وإِخراج وإِنتاج وفَلسَفة ان تَطلب الأَمر، أَزيد تَعظيميّ لِهذا الفَنّ، كَونه مَنار ثَوْرات فكرية، بَعضها تَخريبيَّة وأُخرى بناءة… هه، المضحك بالأمر، هو كيف لكِذْب نحيكه ان تؤرق قُرَّاء، وان توصّل مَعنى فَلسفة دَرَستها في نَفسِك.. فالقصص المُمْتازة لَيستْ سِوَى كذبة مُقنعة خَالية الثَّغرات، كَقِطعة لَحمٍ نشويها حتَّى الاِستواء، نَحن لا نُريد قِطعة لَحم نيئة يَعيش فيها الدُّود، ولا قطعة فَحم كَانت في السَّابق لَحْم.
لي للعزلَة المديح والثَّناء، ثُم بَعض الذَّم، ففيها تَعرَّفتُ على العالم الَّذي كُنت وعاءٌ لَهُ، وفيها تعرَّفت على مُختلف الأَصحاب، أَصحاب كُنْت أُراقبهم مِنْ بعيد خفيةً وأَسْجل حواراتهم وَسِيْرُ أَفعالهْم، ثُم، وأَنا بِبعيدٍ عَنْ الواقع، جَاءَت مَقولة: “فكر خَارِج الصُّنْدوق”، طارحة الفَزَع في نَفْسي، لاِستحالة الخُروج مِنْ الصُّنْدوق، لكن يكفي عَمل ثَقْب واسترَاق النَّظر لِلرّعب المُحيط بِالخَارج، فتَرَيْن مزيجًا مِنْ المجهول والشَّك، فينفذ بعضه من الفتحة التي عَمَلتُها، لنستنتج منها معنى رحلتكِ… تقلبات كثيرة، وانغماسات مُخدرة، ثُم خيبات الظّن… الكثير من خيبات الظَّن… وها نَحنُ ذا، أَنا السَّطر الَّذي يكتب نَفسه، أَملاً في لحاقِ معنىً يبتغيه، وانتِ العيون الفضولية تبحثين عَنْ إجابة سؤَال طُرح في البداية، فنستنتج كلينا، وفي نِهاية الْورقة، بُروز جوابيٍ لسؤَال أَرقنا كِلينا، كَوْن شُعوري نحوه مَوجود اما إدراكي لِماهيَّته كَان غائِب:
” أَنت تكتب امّا لِتَعيش أَو لِأَنك سَتموت.”
(*)قسم هندسة الحاسبات، المرحلة الرابعة، جامعة تيشك الدولية.

